العصمة والتقية!!
تاريخ الإضافة: 11/4/2009 6:50:24 PM
Bookmark and Share              Balatarin

تقتضي "العصمة" ألا يقع المرء في الكذب و اقتراف الآثام، و لا يعمد إلى الغش و التدليس و الخديعة سعياً وراء تحقيق أهدافه حتى لو كانت "مشروعة".

و الذين استمعوا إلى خطاب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية عن الانتخابات الرئاسية الإيرانية لاشك قد لاحظوا إصراره على مخاصمته لما يدعو إليه من احترام خيار شعبه (الذي يراه بالمناسبة هو الأمة) و تقليله الواضح من الرفض الشعبي الظاهر لتلميذه الثوري محمود أحمدي نجاد الذي تمكن المرشد من فرضه على الإيرانيين مرتين في عمليتي انتخاب اتسمتا بالتزوير الواضح الذي لم يعد سراً الآن أنهما قد حيكتا من أجل إيصال نجاد إلى السلطة أولاً، ثم إبقائه في الرئاسة تالياً.

"النائب عن الإمام المعصوم" وفقاً للعقيدة الإمامية يكذب، و يدلس على الشعب الإيراني، و هو هذه المرة لا يفعل ذلك مع "غرباء" يحل له ـ وفقاً لأفكاره ـ ممارسة التقية و الكذب معهم اتقاء المخاطر أو باعتبارهم على غير دينه، و إنما يكذب على أبناء مذهبه، لا بل على أخص هؤلاء، و هم الملالي و رجال ثورته، و فيهم الموسوي و خاتمي و كروبي، يقول "نائب الإمام المعصوم": "آليات النظام في بلدنا لا تسمح بحصول غش بفارق 11 مليون صوت"؛ فيرد موسوي في اليوم التالي: "إن كان هذا الحجم الهائل من التزوير و التلاعب بالأصوات .. الذي أساء إلى ثقة الناس، يستخدم باعتباره الدليل الجلي على عدم حصول تزوير، فإن هذا يطعن في الطابع الجمهوري للنظام نفسه و يثبت عمليا أن الإسلام لا ينسجم مع نظام جمهورية" ـ بحسب تقرير أوردته الوكالة الفرنسية ـ..الرجل اعتبر ما حدث من مصادرة لإرادة الشعب الإيراني "عيداً حقيقياً"؛ فهل لا يدري شيئاً عما تقوم به وزارة الداخلية الإيرانية إلى هذا الحد الذي اضطر مئات الآلاف إلى الخروج إلى الشوارع في مظاهرات اعتبرها المرشد "بدعة غير شرعية"، و قطعاً فإن كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار مثلما يريد "نائب الإمام المعصوم" أن يسلب شعبه حقه الذي منح له ليمارس شكلاً انتقائياً ووهمياً من الحرية، و مع هذا ضن بها الرجل عليهم و دعاهم إلى "الصبر و الاحتمال"!!  أو أنه يدري بهذا الذي يحدث في امبراطوريته و يلتزم التجاهل و الكذب حتى تهدأ ثورة الجماهير.

إن مرشد الثورة الإيرانية قد انكشف الآن، ليس أمامنا نحن، فأمره بيّن منذ زمن، لكن هناك بين أتباعه الذين ابتاعوا منه و من سلفه الوهم و حصد الأكاذيب، و هاهو يتناقض في خطابه و يضطرب؛ فيقول الشيء و ضده في الخطاب، و يظهر تدليساً واضحاً لم يكن ينبغي لشخص في مثل مركزه الذي يتطلب ـ طبقاً للنظام الدستوري الإيراني ـ أن يكون "أتقى وأروع المسلمين"، حيث قال: "آراء الرئيس أقرب إلى آرائي" (من آراء منافسيه) ثم قال: "أرى بعض الرجال أكثر كفاءة من غيرهم لخدمة البلد. ولكن الشعب قال كلمته"، "ما كنت أريده لم يقله الشعب."!!

"التقي الورع" يطلب من "الأمة" الإيرانية "الهدوء"، ويحمل "المظلومين والمضطهدين" ـ وفقاً لأفكاره هو وشيعته ـ الدم الذي يراق منهم؛ فـ"لو وقعت أي إراقة للدم فسيتحمل قادة المظاهرات المسؤولية المباشرة."؛ فلا كربلاء إذن و لا بكاء و إنما على الجميع "الاعتدال" و"الصبر" و"الهدوء" لأن "مظلوميتهم" إنما جاءت اليوم من "الولي الفقيه"؛ فإذا ظلم "المعصوم" فمن يعدل إذن في الناس من البشر!!

يقول المرشد: "دبلوماسيو العديد من الدول الغربية الذين كانوا يتحدثون معنا حتى اليوم بلهجة دبلوماسية كشفوا عن وجههم الحقيقي، وفي مقدمتهم الحكومة البريطانية"،ويوجه انتقادات إلى "قادة الاستكبار في العالم"، لاسيما الحكومة البريطانية التي وصفها بأنها "أخبث الأعداء".. هل خدع فيهم خامنئي حيث صاروا اليوم أعداء تتقدمهم بريطانيا ـ لا الشيطان الأكبر/أمريكا ـ بينما كان حديثهم "حتى اليوم" بلهجة دبلوماسية.. آلآن أيها المرشد انكشف لك وجههم الحقيقي؟!!

"المرشحون كلهم يثقون في القيادة الإسلامية للبلاد" و"الاختلاف بينهم هو اختلاف في وجهة النظر فقط"، قال الولي الفقيه، لكن ما لم يقله أن موسوي يخونه شخصياً دون أن يسميه ويعتبره تهديداً للنظام الجمهوري الإسلامي في البلاد (إن صحت التسمية)، واختلاف وجهات النظر هو اتهامات بالسرقة واستغلال النفوذ والتربح من المنصب تطال أكبر أركان النظام الإيراني و تراشقات عنيفة بين رفسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، و أسرته من جهة، و الرئيس الإيراني نجاد من جهة أخرى.

تشكيك في فريق نجاد و اتهامات عريضة بالتزوير حتى في أهلية هذا الفريق لمناصبهم، و بنود مالية مفقودة من الميزانية العامة للدولة، و اتهامات أكاديمية تطال زوجة موسوي، وكل هذا "اختلاف وجهات نظر" في عرف المرشد!!

إن الذين اختارهم المرشد نفسه ليكون من بينهم رئيس الجمهورية الذي لا يملك من الصلاحيات شيئاً يذكر هم أنفسهم من رفضوا وصايته باستثناء "خادم الشعب" الذي شكر خامنئي على ثقته كـ"طفل صغير"، أحمدي نجاد، كما وصف نفسه، و هم الذين أوعزوا إلى أنصارهم بتحدي الولي الفقيه و النزول إلى الشوارع بعدما صارت المظاهرات ضد خامنئي بدعة غير شرعية بعدما كانت قبل ثلاثين عاماً جهاداً مقدساً ضد الظلم، وفي ذلك أكبر سقطات المرشد؛ حيث لم ينتبه ـ و هو المعصوم عند قومه ـ إلى هؤلاء الذين اختارهم بنفسه ليجري بينهم التنافس حتى وقفوا ضده معلنين بأن رفض ثيوقراطية الحكم الإيراني ليست حكراً على الشرفاء وحدهم بل حتى على المنتفعين و الأزلام الذين ضاقوا به ذرعاً.

لقد قضى خامنئي أن يكون الرئيس القادم هو نجاد ليستكمل حلقة القنبلة النووية التي بدأها المرشد و أعوانه و يريد للإعلان عنها رئيساً ثورياً أمام الخارج، و طفلاً صغيراً، خادماً مطيعاً أمامه هو، و قد وقع اختياره على نجاد، و كان أمر التزوير معداً سلفاً، و الأداة هي الحرس الثوري ووزارة الداخلية الإيرانية، لكن المسألة لم تمر هينة هذه المرة، بخلاف العديد من حوادث التزوير السابقة والتي قفزت أحدها بخامنئي نفسه في الرئاسة في العام 1981 عندما حصل على 95% من مجموع أصوات المنتخبين، تنفيذاً لرغبة مرشد الثورة الأول خميني (16 مليوناً من 17 أدلوا بأصواتهم)!!

ليست جديدة إذن مسألة التزوير في الانتخابات الإيرانية المختلفة، لكن الغريب هذه المرة هو هذا الحنق الذي يبدو مجاوزاً حدود رغبات الخاسرين في الانتخابات أنفسهم، إذ إن هتافات "الموت للديكتاتور" التي يرددها الشباب الآن قد لا تكون تعني الرئيس نجاد وحده، بل هذا الواقف إلى جواره مسانداً بكل قوته و صلاحياته و أدواته، وهو أمر جديد على الشارع الإيراني، يدل على أن ولاية الفقيه في إيران قد بدأت تنخدش لأول مرة منذ قيام الثورة الإيرانية، وأن الكثيرين لم تعد تنطلي عليهم أوهام الثورة و"الشيطان الأكبر" و"قوى الاستكبار" و"الولي الفقيه" لإضفاء شرعية، بل تقديس على غير المقدس وغير الشرعي في إيران.

باسم الثورة تقمع اليوم الثورة، وباسم الدين يتم التزوير، وباسم الهدوء والصبر والاعتدال تمرر الجريمة بحق من صدقوا أن ثمة ما يمكن أن يحدث في حدود الجمهورية يخالف جمود المرشد و سطوته، وفي هذا أول مؤشرات الاضطراب و التراجع في المشروع الإيراني الأيديولوجي، وما بات الناس اليوم يدركونه أن خامنئي ما بعد الانتخابات لن يكون هو خامنئي و ما يمثله من أفكار و رؤى سياسية ما قبل الانتخابات، و أن إيران أضحت على مفترق طرق، وقد مضت نحو التحول وإن استغرق ذلك بعض الوقت.

لقد كانوا يقولون للشاه عليك أن ترضخ للشارع، والآن يرتدون ثوبه الطاووسي الامبراطوري ذاته و يقولون بكل جرأة "لن نرضخ للشارع"..

المصدر: المختصر

عدد مرات القراءة:
3999

Bookmark and Share              Balatarin
 
 
 
 
إلغــاء الاشتــراك
اشتــراك
 
ليس هناك حل إلا أن يفيق الشعب الإيراني من سكره، و يتحرر من أسر أصحاب العمائم،...
يستطيع داعش أن يعرقل الأمن في بيوت الله في العالم العربي و يعجز عن مساس الأمن...
أ بعد هذا ألا ينبغي للساسة السعوديين أن يعيدوا النظر في التعامل مع مثل هذه...
لماذا السياسات الغربية في العالم الإسلامي تتسم بالعشوائية وفقدان الحنكة...
إن أول صفة وردت في القرآن الكريم للمؤمنين والمسلمين هي الإيمان الغيب، قال...
إن التحليل العلمي الموضوعي لواقع الثورة الوطنية الديمقراطية في سورية ومعرفة...
يوم بعد يوم تضيق الحلقة على نظام بشار الاسد وكلما زاد الخناق أصبح وضع حزب الله...
تعتبر الأعياد من شعائر الأديان، فمن دان بدين احتفل بأعياده، ولم يحتفل بأعيادِ...
أكتب هذا المقال من القاهرة، ومن مدينة الإنتاج الإعلامي بالتحديد، حيث لمست مدى...